عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

145

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه الذي اتفق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على تلاوته ، ثم بان لي أن ذلك خطأ ، فأنا منه تائب ، وعنه مقلع ، وإلى اللّه عز وجل منه بريء ، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا أن يقرأ بغير ما فيه » . وكتب ابن شنبوذ فيه : « يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ : إن ما في هذه الرقعة صحيح ، وهو قولي واعتقادي ، وأشهد اللّه عز وجل وسائر من حضر على نفسي بذلك » . وكتب بخطه : « فمتى خالفت ذلك أو بان مني غيره فأمير المؤمنين ، أطال اللّه بقاه ، في حل وفي سعة من دمي ، وذلك في يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة ، أدام اللّه توفيقه » . وكان مما اعترف به يومئذ : فامضوا إلى ذكر اللّه [ الجمعة : 9 ] ، وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون [ الواقعة : 82 ] ، وكان أمامهم ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصبا [ الكهف : 79 ] ، كالصّوف المنفوش [ القارعة : 5 ] ، تبّت يدا أبي لهب وقد تبّ [ المسد : 1 ] ، فلمّا خرّ تبيّنت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب [ سبأ : 14 ] ، والنّهار إذا تجلّى والذّكر والأنثى [ الليل : 2 - 3 ] ، فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاما [ الفرقان : 77 ] ، ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون اللّه على ما أصابهم [ آل عمران : 104 ] ، تكن فتنة في الأرض وفساد عريض [ الأنفال : 73 ] » . وتحت ذلك بخط ابن مجاهد : « اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي وكتب ابن مجاهد بيده » . قلت : ثم مات ابن شنبوذ في صفر سنة ثمان وعشرين بعد موت ابن مجاهد بأربع سنين ، وعزل ابن مقلة ونكب في سنة أربع وعشرين بعد نكبة ابن شنبوذ بسنة واحدة ، فجرى عليه من الإهانة بالضرب والتعليق والمصادرة أمر عظيم ، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه ، ونسأل اللّه تعالى العافية . وابن شنبوذ وإن كان ليس بمصيب فيما ذهب إليه ، ولكن خطأه في واقعة لا يسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم ، فكان الرفق به ومداراته أولى من إقامته مقام الدعار المفسدين في الأرض وإجرائه مجراهم في العقوبة ، فكان اعتقاله وإغلاظ القول له كافيا في ذلك إن شاء اللّه تعالى ، ولكنه سبحانه وتعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ [ آل عمران : 40 ، والحج : 18 ] ويبتلي من شاء بما شاء سبحانه ، لا يسأل عمّا يفعل [ الأنبياء : 23 ] ، وهو تعالى أعلم وأحكم .